احتفل مليار ونصف مسلم حول العالم بعيد الأضحى.. ذُبحت الأضاحي، وفرحت البيوت، وارتدى الأطفال ملابسهم الجديدة؛ بينما كانت الأنظمة والسلطات بكافة أشكالها ومسمياتها تواصل التضحية بقرابة ثلاثة ملايين مسلم ومسيحي، يُذبحون يومياً في قطاع غزة وجنوب لبنان على مذبح الكيان الصهيوني، وقرباناً للإله الأمريكي.
هنا، تحضرني بحسرة كلمات المطرب محرم فؤاد وهي تشدو: تعب القلوب يا اهل الله.. وجع القلوب يا اهل الله.. عاشق يقول يا اهل الله.. ما بقاش في القلب حاجه.. ما اخدتوا كل حاجه ورضينا بأي حاجه.. وادينا كل حاجه.. هو انتوا وراكوا حاجه.. غير تعب القلوب؟
هذا هو لسان حال الشعوب في فلسطين ولبنان. الاحتلال لم يسرق الأرض فحسب، بل سرق فرحة العيد، محولاً الأمل إلى غصة، والضحكة إلى صمت ثقيل يرتسم على وجوه الأمهات والأطفال.
أكثر من 21 ألف طفل شهيد في غزة، و216 طفلاً في لبنان.. أرقام كابوسيه تختصر حجم الفاجعة وتعلن للعالم أن الطفولة هناك تُدفن في المهد قبل أن تكبر.
"ما بقاش في القلب حاجة"
في غزة، التي تحولت بفعل آلة الحرب إلى قطاع للإبادة وللخيام المهترئة، لم يكتفِ الاحتلال بسحق مقومات الحياة، بل تعمد حرمان الأهالي من إقامة شعائرهم.. ووفقاً لبيان المكتب الإعلامي الحكومي، منع الاحتلال إدخال 17,000 رأس من العجول و24,000 رأس من الأغنام، ليحرم الفلسطينيين من شعيرة الأضحية، مستبدلاً إياها بتقديم أجسادهم كأضاحي طوال أيام العيد.
حتى في الأيام العظيمة، لم تتوقف المقصلة.. ففي يوم وقفة عرفات، استقبلت مستشفيات القطاع 6 شهداء (منهم 4 جرى انتشالهم) و34 إصابة. وفي بيانها الصادر بتاريخ 28 مايو 2026، كشفت وزارة الصحة الفلسطينية عن وصول 16 شهيداً جديداً و39 إصابة خلال 48 ساعة فقط.. وفي كل بيان، تتردد العبارة الأكثر قسوة: "لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم".
لقد أظهرت المقاومة أعلى درجات المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه الحاضنة الشعبية، وتجاوبوا مع جهود وقف القتال رحمةً بالناس ولحقن الدماء؛ إلا أن آلة الإبادة الصهيونية لم تتوقف يوماً، فمنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار المفترض في 11 أكتوبر 2025، سقط 929 شهيداً وأصيب 2,811 آخرون، فيما انتشلت الطواقم 781 شهيداً من الشوارع وتحت الركام حتى 30 مايو 2026، وبذلك، ترتفع الحصيلة التراكمية الفاجعة منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، إلى 72938 شهداء 172919 مصاباً.
أما لبنان فلم تكن أسعد حظاً من شقيقتها غزة، فقد أحصت "اليونيسيف" بمزيد من الفاجعة سقوط 77 طفلاً بين شهيد وجريح في أسبوع العيد وحده، بمعدل 11 طفلاً كل 24 ساعة، ليرتفع عدد الأطفال الشهداء إلى أكثر من 103 أطفال، وسط حصيلة لبنانية دامية تجاوزت 3,324 شهيداً و10 آلاف جريح منذ بدء العدوان في 2 مارس 2026.
في لبنان، خلال الـ 48 ساعة الأولى لأيام عيد الأضحى فقط 111 شهيداً جديداً، وأصيب 290 مواطناً لبنانياً، وهي حصيلة ثقيلة تثبت تفحم بهجة العيد هناك أيضاً بالبارود.. وفيما كان يجلس المفاوض اللبناني أمام نظيره المحتل في واشنطن، رصدت منظمة "اليونيسيف" استشهاد55 طفلاً، وإصابة 212 آخرين بجروح منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأخير المعلن برعاية أمريكية(!!)
"ياريتنا ما روحنا.. ياريت ما خدونا"
التزمت المقاومة الفلسطينية بالعهود والوعود حرصاً على حياة من تبقى من الشعب الفلسطيني، ليثبت الاحتلال مجدداً للعالم أجمع، أنه لا يفهم سوى لغة الغدر، مستغلاً "الهدنة" ليمعن تنفيذ مخططات الإبادة والتهجير القسري أمام مرأى ومسمع عالم أصم.. والآن تضع المقاومة الوسطاء (أمريكا ومصر وقطر وتركيا) أمام مسؤولياتهم للضغط على الاحتلال لتنفيذ ما أتفق عليه في شرم الشيخ بحضور "إله العالم ترامب"، للانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق.. بينما يواصل الاحتلال خرقه لوقف إطلاق النار، بشكل نمطي يحدث يومياً، فقد أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي ووزارة الصحة في غزة، رصد أكثر من 3,005 خروقات إسرائيلية للاتفاق، ما بين قصف مدفعي وجوي مركز، وإطلاق نار مباشر على الصيادين والمواطنين في المناطق الحدودية، بدعوى الاقتراب من الخط الأصفر، إلى جانب عمليات التوغل المحدودة لآليات الاحتلال داخل الأحياء السكنية، التي لم يتوقف عن تفجيرها.
الخروقات امتدت للملف الإنساني المدرج ببنود الاتفاق، بتنفيذ 36% فقط، إذ لم يُسمح إلا بدخول نحو 48 ألف شاحنة فقط من أصل 135 ألفاً كان من المفترض تدفقها بموجب التفاهمات، التي نصت على إدخال 600 شاحنة يومياً، مما يجدد المخاوف الدولية من عودة شبح المجاعة الحادة للقطاع، الذي يعاني من انعدام مياه الشرب النظيفة، وشح الطعام، واستهداف التكيات الخيرية.
في المقابل، يتذرع الجانب الإسرائيلي عبر تقاريره العسكرية بأن تحركاته تأتي كـ "ردود فعل" على هجمات مضادة، أو محاولات لاستهداف أنفاق ومسلحين اقتربوا من خطوط السيطرة العسكرية، وهو ما يراه المراقبون محاولة لشرعنة استمرار العمليات العسكرية وفرض واقع احتلالي داخل القطاع؛ خاصة مع إعلان نتنياهو الأخير عن رغبته في توسيع نطاق السيطرة الميدانية لتصل إلى 70% من مساحة غزة.
باختصار، "وقف إطلاق النار" تحول عملياً إلى حرب استنزاف يومية، وبات حال المقاومة والشعب الفلسطيني يقول " خدونا وتوهنا.. ياريت ماخدونا".. "ياريتنا ما روحنا.. ياريتهم ماجونا".
"تعبنا وقلنا نصيبنا"
أما المقاومة اللبنانية، فقد طبقت المثل الشعبي "اللي اتلسع من هدنة 27 نوفمبر 2024، لا يصدق الهدن الأمريكية"، لأن المقاومة التزمت بعدم الرد على الخروقات الأمريكية التي تجاوزت آلاف الخروقات، واحتلت 7 نقاط، بخلاف استشهاد 500 لبناني، وتدمير 11 ألف نزل، لذلك قررت في هدنة إبريل 2026، الهشة أن الخرق بالخرق، والبادي أظلم.. ورفضت المفاوضات المباشرة لعلمها بأنها لن تفضي لشيء، فالهدف الأمريكي الإسرائيلي الفرنسي الخليجي والسلطة اللبنانية هو إبادة المقاومة لإفساح المجال لانضمام لبنان للتطبيع دون مقابل.
المقاومة اللبنانية أدركت أن الموت والتدمير أمر حتمي، والهدن الأمريكية هي فخاخ، تمكن الاحتلال من تحقيق مخططه الصهيوني بضم جنوب لبنان لتأمين الشمال المحتل، وإنشاء إسرائيل الكبرى.
المقاومة أدركت أن الواقع الميداني هو الفيصل، لذلك قالت:
هو انتوا وراكوا حاجة.. غير تعب القلوب
وحياة تعبك يا قلبي.. لابعد عنهم واتوب
سبع ليالي.. بنشكي عمرهم عمرين
سبع ليالي بنبكي لما تدمع العين
سبع ليالي بيحكوا عننا الاتنين
وقالوا ايه.. وعملوا ايه.. وقلنا ايه
وعملنا ايه.. وخدنا ايه.. وخدتوا ايه؟
-------------------------------
بقلم: محمد الضبع






